جريدة الصباح العربي ترحب بالزوار ... أنتم الآن في بيت المدّونين ... هنا الجروب الرسمي للجريدة على الفيس بوك .... لو عاوز تنشر معانا كل اللى عليك تبعت قصتك أو المقالة بتاعتك في رسالة على الميل أنتظرونا قريباً بالأسواق
الاثنين، 1 يونيو 2009

مسابقة القصة القصيرة  

معركة الهدوم

قصة قصيرة
حسام غانم

في أحد البيوت المصرية ..

وبالتحديد في خزانة الثياب ..

أشعل القميص الأبيض جهاز الراديو في أسى وجلس يستمع ..

{ ... (توكة) .. تن تن .. (توكة) .. تن تن .. (توكة) إن كنت أحبك تاني (توووكة) ... }

ليطلق على إثرها القميص تنهيدة حارة، فقال له التي شيرت الأخضر :

-  " إيه يا بني اللي انت عامله في نفسك ده ؟ "

-  " الحب مبهدلني خالص يا تي شيرت "

ضحك التي شيرت قائلا :

-  " ودي مين بقى بنت الحلال اللي شقلبت حالك كده ؟ "

اقترب القميص منه وقال :

-  " اللي بحبها يا سيدي هي .. وش وش وش وش وش  .. "

نظر له التي شيرت مشمئزا وقال :

-  " يا راااااجل .. بقى دي اللي عايز(تعلقها) .. ده انت ملكش خالص في (الجينز) اللطيف"

-  " أعمل إيه بقى .. (ملاية) الحب عامية .. ده أنا حاولت ألفت نظرها بأكتر من طريقة ومش معبراني "

-  " يا عم سيبك من شغل الأكـ(رباط) بتاعك ده وروح كلمها على طول و.... "

وهنا ارتفع صوت البنطلون الأزرق ينادي الجميع :

" يا ولاد تعالوا .. الماتش بدأ "

فالتف الجميع حول جهاز التليفزيون التو(جيبة) وقاموا بظبط (الإيريال) فظهر صوت المذيع :

" ... والكورة دلوقتي في نص الملعب بياخدها اللاعب (حزام) حسن .. وبيعدي من الأول والتاني .. وهوبا يقطعها الدفاع .. تيجي لمحمد (بكرات) وماشي بكرات .. وبيباصيها لنجم الجماهير محمد أبو (تريكوه) اللي بيشوط عالجووون .. لااااكن بعيدة .. تتلعب ضربة المرمى ويستقبلها النجم حازم (كُمام) وبيرقص وبيشوط و... "

وهنا ارتفع صوت بكاء القميص الأبيض

فأغلقوا التليفزيون وسألوه " ايه مالك يابني "

-  " اهئ اهئ أصل اللعيب اللي أنا بشجعه مبيلعبش "

-  " ليه انت بتشجع مين ؟ "

-  " (قميص) جعفر طبعا "

*        *        *

بعد أن فرغت قطع الملابس من تناول عشائها قال البنطلون في يأس : " يااااه يا جدعان .. اللي بيحصل لنا ده كتير .. محدش يرضى بكده أبدا "

رد الشورت الاسود مؤيدا : " أيوة فعلا معاك حق أنا لسه الموضوع ده كان في دماغي وكنت عمال أفكر فيه "

قال التي شيرت الأحمر : " آه وأنا كمان كان في دماغي ومش عاجبني حالنا .. حد تاني يا جدعان شايف كده ؟ "

أومأ الجميع برؤسهم علامة الموافقة

فصاح التي شيرت الأحمر بغضب : " الله .. يعني كلنا مش عاجبنا الوضع الحالي ومنتكلمش .. لولا بس كلمة البنطلون مكناش عرفنا "

رد الشراب : " أصلي كنت فاكر إن أنا لوحدي اللي مش عاجبني الوضع "

تعالت الهمهمات المؤيدة من الجميع قبل أن يقف الجاكت ويسكتهم بيده ويقول بهدوء :

" طيب .. دلوقتي بما إننا مجتمعين و(النقاب) القانوني مكتمل .. عايزين نرتب مع بعض ايه اللي مضايقنا وايه اللي عايزينه "

تعالت الأصوات :

-  " احنا بنتلبس طول اليوم ومفيش وقت نستريح فيه "

-  " احنا بيلبسنا واحنا جداد ونضاف ويرمينا لما نقدم "

 

-  " عايزين مرتبات "

-  " عايزين نشتكي لمنظمات حقوق الهدوم "

-  " عايزين معاشات للهدوم اللي تقدم "

-  " عايزين رعاية صحية "

-  " عايزين فانتا تفاح "

وصاح أحدهم : " احنا الوضع الحالي بتاعنا ده إهانة لينا كلنا لازم نعمل حاجة "

قال الجاكت : " طيب ما نبعت وفد مننا لمحمود يتفاوض معاه "

رد الشورت " لا يا جاكت .. ما احنا اتفاوضنا قبل كده ومفيش حاجة اتحلت .. حقنا لازم ناخده بإيدينا "

رد القميص الأزرق : " احنا نعمل اضراب عام ومنشتغلش "

سكت الجميع لوهلة قبل أن يظهر على وجوههم التأييد للفكرة ثم تصايحوا في سعادة  :

-  " أيوة ونشوف بقى هيعمل ايه من غيرنا "

-  " أيوة يا ناخد حقوقنا يا منشتغلش "

-  " الإضراااااب الإضراااااب يا نخلي عيشتكوا هباب "

-  " من حقنا .. من حقنا .. نحلم بحضن يضمنا .... آآآي "

-  " خليه يعرف قيمتنا "

-  " ماما .. ماما .. يعني إيه إدلاب ؟ "

وفي النهاية قال الجاكت : " كويس يبقى خلاص اتفقنا عالإضراب .. خلوا بالكم بقى اوعى حد ينزل الشغل من أول دلوقتي .. ونعتبر الفترة القادمة دي أجازة مفتوحة لينا "

وبالفعل بدأ الاستعداد للإضراب على قدم وساق ..

وعلقت اللافتات ولصقت الإعلانات ..

وازداد التوتر والقلق ..

حتى جاءت اللحظة .. عندما هم محمود للخروج ..

وفتح خزانة الثياب في لامبالاة ..

ومد يده وأمسك القميص الأبيض من كمه .. وهم بإخراجه ..

فأسرعت باقي الملابس تمسك القميص من كمه الآخر ..

تفاجأ محمود لهذا التغير فزاد من قوة سحبه ..

فتشبثت الملابس بقوة وقالت للقميص : " متخافش يا حسونة .. احنا مش هنسيبه ياخدك "

وبدأوا ينظموا أنفسهم متخذين هيئة السلسلة الشهيرة ..

وشرعوا يغنون : " هيلا هيلا .. هيييييييييييلا هيلا هيلا.. هيلا هيلا .. هيييييييييييلا هيلا هيلا "

وبالفعل أحرزوا تقدما ملحوظا وكادوا ينتزعوا القميص - اللذي عرفنا أن اسمه حسونة - من أيدي محمود ..

لولا أن محمود قام بجذبة أخيرة قوية قطع بها الكم الذي في يده ..

فسقطت الملابس إلى الخلف فوق بعضها ..

وارتفع صياح محمود مناديا أمه التي جاءت سريعا وأخذت القميص والكم ..

وأغلقت الخزانة ..

ساد الصمت ثوان ثم قال البنطلون : " اووووووووه .. أخدوا القميص .. هنعمل ايه ؟ "

هم الجاكت بالرد لولا أن سمعوا جميعا صوت صراخ القميص قادما من الخارج  ..

ففتحوا باب الخزانة قليلا ونظروا .. ويالهول ما رأوا ..

-  " دول بيعذبوه يا جدعان "

-  " يا مسكين يا حسونة "

-  " الست المفترية بتستخدم أسلحة محرمة دوليا "

-  " كل ده عشان قرر يطالب بحقه "

-  " أنا قولتها من زمان .. مفيش فااايدة "

وبعد أن أنهت الأم خياطة الكم أرجعت القميص إلى الخزانة ..

فانطلقوا يواسونه ويشدوا من أزره وسط الحزن والبكاء من النساء .. والثورة والتهديد من الرجال .. وقال الجاكت :

" لا يا جماعة الوضع كده مايتسكتش عليه .. لازم ننتقم لحسونة .. كل الرجالة تستعد عشان هنهجم من بكرة الصبح "

*        *        *

مع ظهور أول ضوء لشمس اليوم التالي .. كانت قوات الملابس على أهبة الاستعداد للمعركة ..

وأخذ الجاكت يدور عليهم لإعطاء التعليمات وبث روح الحماسة ..

ثم جاءت النساء لتوديع الأبطال قبل الذهاب

-  " شد حيلك يا فرغلي .. منصورين إن شاء الله "

-  " مع السلامة يا سوسن .. خدي بالك من ابننا حفاضة "

-  " متخافوش هنأدب محمود ونيجي على طول "

-  " ربنا معاك يا عبده "

-  " استنوا يا جماعة أنا عايز أروح الحمام "

ثم قال الجاكت : " يا ولاد احنا النهاردة يوم تاريخي في حياتنا .. لازم كلنا نبقى قد المسئولية .. ركزوا معايا .. بعد ما ندي الأمر بالهجوم هننتشر في البيت كله وبعدين هنهجم عالبني آدمين ونطردهم من البيت .. يلا يا ولاد .. الله .. الوطن .. الخزانة ...... هجوووووووووووووم "

انطلقت جحافل الهدوم تشق الطريق ..

ثم انطلقت الهدوم ذات نفسها تلحق بجحافلها ..

واجتاز الأبطال باب الغرفة .. وبينما هم في طريقهم للانتشار عبر الردهة اقترح القميص أن يتسلحوا بالأطباق والمزهريات الموجودة .. فاستحسنوا الفكرة وبدأوا في التنفيذ .. وبينما يجمعون الأطباق تعثر البنطلون وسقط الطبق منه على الأرض وتهشم .. ففزعوا جميعا من الصوت قبل أن تظهر الأم على باب المطبخ منذرة بالويل ..

وفشلت الخطة ..

*        *        *

جمعت الأم الملابس ووضعتهم في السبت المخصص للغسيل .. وأخذتهم ..

وتعالى صراخ الملابس : " لاااااااااا .. هما هيعملوا فينا إيه "

قبل أن تأخذ الأم البنطلون وتلقي به في الغسالة ..

ثم ذهبت الأم .. وظهر البنطلون من خلف الباب الزجاجي للغسالة وقال لرفاقه في السبت :

" لا يا جماعة .. ماتسيبونيش كده .. أنا صحتي ماتستحملش .. اعملوا حاجـ ... ويو ويو ويو ويو .. آآآآآآآآآآآآه .. ويو ويو ويو ويو .. الحقونييييييييييي .. زووووووووووو .. يّا يّا يّا يّا يّا يّا

*        *        *

بعدها حملت الأم قطع الملابس المبتلة وذهبت بهم إلى البلكونة .. ونشرتهم على الحبال ..

وقال البنطلون للقميص :

-  " الله .. إيه التذنيبة دي ..ومقلوبين وحاجة نيلة .. ده الغسيل كان أرحم "

-  " يا عم أرحم إيه .. ده انت كنت عامل زي الفرخة في الغسالة "

-  " ما هو كله منك أصلا ومن (شورتك) المهببة "

-  " هقول إيه .. أهو عالأقل عملت حاجة مش زيكوا محدش (شال) المسئولية "

-  " هأو .. اللي يسمعك ببتكلم يقول الواد اللي (كاب) الديب من ديله "

-  " (بالطو) بتغلط فيا .. انت لو كان عندك (ياقة) بدنية مكانش الطبق وقع منك "

-  " يا سلام .. قال يعني انت اللي (روب) فان دام زمانه "

فصاح الشورت :

-   ما تبس بقى يا جدعان .. الواحد ميعرفش ينام منكم .. يلا (أومو) من هنا ..

*        *        *

في المساء جمعت الأم الغسيل المنشور ووضعته في السبت ..

وفي السبت قال الجاكت :

" يا جماعة احنا اتهزمنا النهاردة عشان خطأ بسيط .. مش عايزين روح اليأس تدب فينا .. والخطأ ده إن شاء الله نتلافاه في المستقبل و... "

وهنا ظهر الفزع في عيون الكرافتة .. فقطع الجاكت كلامه وهم بالاستدارة ليرى ما خلفه .. إذا بيد الأم تنتزعه من مكانه .. وتضعه على الترابيزة ..

وقبل أن يفهم ما يحدث .. رشت الأم عليه بعض المياه .. ورفعت المكواة وأنزلتها عليه .. فصاح في ألم : " فشششششششششششششش "

ثم قال بصوت واهن :

" يا جماعة اوعوا تستسلموا .. وزي ما قال الحكيم برنيطة ..

{ دايما فيه أمل في (التايير) } "

وفقد النطق ..

 تمت

مسابقة القصة القصيرة  

قلب ضعيف
قصة قصيرة

sky angle

أصابني الذهول وجحظت عيناي وأحمر وجهي فانسال من عليه العرق وكأنه نهر جاري إنهارت قواي لم أستطع الحكم في أعصاب جسدي بأكمله من القلق والإضطراب .

قلت بصوت خافت مندهشاً : أيها الطبيب كيف هذا وأنا لا زلت شاباً في عقدي الثلاثون وكنت ازاول الرياضة بإستمرار ولم أتناول أي شئ كالسجائر أو غيرها.....؟

فهز الطبيب رأسه قائلاً : لكن تلك إرادة الله

فألتزمت الصمت لحظة وبعدها قلت : إذاً وما عليّ فعله الأن ...؟

فقال : من الآن يجب أن لا تنفعل ولا تبذل مجهوداً عالياً أو عضلياً فحتي الرياضة الآن قد تكون في حالتك هذه مضره لأن قلبك ضعيف جداً فهو حتي لا يتحمل إجراء الجراحة ...

فنهضت منزعجاً صارخاً :كيف وماذا عن الزواج فلقد أنهيت إعدادات مراسم زواجي مؤخراً بعد طول إنتظار دام سنوات وقد تحدد ميعاد حفل الزواج بعد إسبوع بعد الأن ..

في تلك اللحظة شردت بعقلي وتذكرت الأوقات الجميلة ورأيتها تمر أمام عيني وخطيبتي الرقيقة تشاطرني تلك الأوقات وهي معي في لحظات الحزن والفرح والحب والغضب وفي وقت الخصام حتي المشادات التي صارت بيننا تذكرتها بأكمها وحين كنا نشتري حاجيات الفرح وأثاث المنزل كان دائماً لا يعجبها ذوقي لكنها كانت محقه ..

فحين نشتري قطعة جديده من الأثاث نتشاجر دائما هي تريد شكلا حديثاً وأنا دائما أميل إلي الأشكال الكلاسيكيه القديمه فأنا أشعر فيها بالأصالة والتاريخ لكن في النهاية أرضخ لإختيارها بعد أن تقنعني بحجتها ودبلوماسيتها الرائعة وفي النهاية أجد أن بالفعل إختيارها هو الأفضل ..

كانت حنونه دائما في كلامها لم تستخدم معي أبدا الإجبار او المساومة بل كانت تتخذ دائماً أسلوب الإقناع.......

إزدادت ضربات قلبي وبدأت أشعر بضيقٍ في التنفس ووجهي ظهر عليه الشحوب فلاح الطبيب ذالك فقال : أرجوك لا تفعل بنفسك ذالك فهذا قضاء الله وغضبك الأن ليس بمصلحتك..

فقلت : ونعم بالله لكن ماذا كنت تتوقع أن أفعل..؟ أن لا أهتم أو أستقبل كلامك وكأنك تحدثني عن شخص أخر ؟ وماذا عن خطيبتي التي تنتظرني بالخارج قلقة تريد الأن لو أن تقتحم الغرفة لتطمئن عليّ مما حدث لي فجأة ..........؟

أتنتظر مني أن أخرج لها مبتسماً وأقول لها أننا لن نتزوج ...؟ أم أني قد أموت في أي لحظة ..؟

أيها الطبيب أنت لا تعلم كم كنا ننتظر هذا اليوم منذ خمس أعوام وحين يأتي أقول لها أسف سنلغي الزواج ...! لا أستطيع فعل ذالك.

فقال: إذا دعني أن أفعل هذا ...

فنهضت فزعاً : كلا أرجوك لا تفعل . فأنت لا تدرك كم هي تحبني ..؟

فقال : إذاً الأمر لك لكن لا أعتقد أنك ستجازف بحياتك أو تخدعها ..

فقلت : أخدعها كيف ..؟ وأنا لم أكذب عليها قط ..

فقال : إذاً تناول هذا العلاج بدأ من اليوم ولا أنصحك بالقيادة أو الإنفعال أو المجهود الكبير وإذا شعرت بأي شيء فتتوجه لأقرب مشفي وتجعلهم يتصلون بي علي الفور.......

نهضت واقفاً وأنا لا أستطيع بافعل الحرك ولو خطوة واحده وتناولت من يده الورقة التي كتب فيها العلاج

قائلاً : شكرا لك أيها الطبيب

فقال : دعك من هذا الحزن وأتركها لله .......

وما أن خرجت من غرفة الطبيب إلا ونهضت الفتاة الجميله من مقعدها بعد طول إنتظار وعلى وجهها ظهرت علامات الإضطراب والفزع وأسرعت نحوي وهي

تقول : طمني ماذا قال الطبيب

ماذا بك لماذا وجهك شاحباً هكذا وتتصبب عرقاً أخبرني ماذا قال ؟

فارتسمت علي وجهه أبتسامه خفيفه لكى تهدئ من روعها قيلاً وقلت لا تقلقى حبيبتي سأخبرك لكن دعينا نغادر من هنا ونذهب إلي مكاننا المفضل فأنا أرغب أن أراه الأن .

كنا نجلس معاً في مقعد واحد يقع علي كورنيش النيل لم نغيره ابداً والغريب أنه كلما ذهبنا هناك نجده شاغراً رغم أني لو مررت عليه وحدى أجد أخرون يجلسون عليه .....

ما أنا وصلنا إلي المكان فأمسكت بيدها وتوجهنا إلي المقعد لم نجده شاغراً فأبتسمت وقلت إذاً فتلك النهاية .

فتعجبت من قولي وقالت ما هذا أول مرة نأتي فيها ونجد أحداً يجلس علي مقعدنا منذ خمس سنوات فلماذا تبتسم ..؟

فقت لها : لا عليك دعينا نجلس في المقعد التالي هذا

فقالت : لكني أحب أن أجلس دائما علي مقعدنا هذا.

فقلت: إذاً وماذا تريدين أن أفعل ءأطردهما من المكان وأجعلهما يتركا المقعد دعيهما يصنعا لكليهما بعض الذكريات .

جلسنا علي المقعد الأخر وأخذت أنظر إلي وجهها أتأمل ملامحة وأدقق فيه لتذكر كل جزء منه في ذات الوقت لم أترك يديها وفيما بيننا الصمت .

فقالت لي: ماذا بك لماذا تتصب عرقاً بغزارة هكذا ماذا أصابك ألن تخبرني ماذا قال لك الطبيب ..؟

لماذا يداك باردتان لهذه الدرجه أخبرني ماذا بك ؟

فقلت : حبيبتي أتعلمين عني أني كذبت عليك ،أو خبئت عنك شيئاً .

فقالت : لا

حينها أنحصرت في عيني دموعاً تصارع مع الجفون لتخرج حينها تذكرت أول لقاء في هذا المكان بكامل تفاصيله عندئذ إزداد جسدي بروداً وضربات قلبي أيضاً وبدأت ألهث وكأني أجري شئ مجهول وشعرت بصعوبه في التنفس

وما أن سقطت الدمعه سقط معها جسدي علي كتفها وتوقف قلبي الضعيف عن الخفقان .
تمت

مسابقة القصة القصيرة  

أدهم

قصة قصيرة
مصطفى عنتر

خطاب قصير للغايه,فعليا جملتين لا اكثر,"ادهم ابنك , برجاء اصطحابه يوم كذا الساعه كذا من العنوان كذا "امضاء زوجتي السابقه.جملتين فعلا ولكن اثارهم كأثار الزلزال , يترك المدينه محطمه تبكي علي انقاضها دون ان تدرك ماذا حدث! لا اعتقد ان علماء الرياضيات قد توصلوا بعد لرقم يقترب من عدد الافكار والتسؤلات الدائره في ذهني الان تكاد تحرقه من سرعتها وغرابتها . كانت الساعه المحدده لأصطحاب ادهم هذا قد اقتربت والعنوان المذكور يحتاج بضع ساعات بالسياره للوصول اليه فتركت حياتي كلها خلفي وأخذت سيارتي وانطلقي في هذه الرحله الغريبه ...لأستعيد ابني... لأستعيد جزء من كياني ...جزء لم اكن اعلم بوجوده حتي لحظه استلامي هذا الخطاب ...حقا لم اكن اعلم ان لي ابن!! كيف ومتي ولماذا؟! اسئله اعلم يقيناً انها ستظل تدور هائمه في فضاء الغموض الي ان تقوم الساعه. لم يراودني الشك لحظه في صحه وصدق ما جاء بالخطاب وكونه ابني حقا ام لا ، فعلي الرغم من كونها زوجتي السابقه الا ان صدقها امر لا غبار عليه فأذا كانت قد قالت انه ابني فهو كذلك اذن! ومره اخري تدهشني نفسي التي بين جنبي..فلم ينشغل ذهني بأسئله تبدو منطقيه لأي انسان لم يختبر كلامي هذا عملياً..اسئله علي غرار كيف حدث ذلك؟؟ ولماذا لم تخبرني؟؟ وما الذي اتي به في هذا العنوان الذاهب انا اليه ؟؟والاهم اين هي امه و زوجتي السابقه؟؟ لم اهتم مطلقا بكل هذه الاسئله لوجود ما هو اهم ليشغل بالي وتفكيري ...كيف هو؟! كيف يبدو؟! ما لون عينيه؟! طويل ام نحيل الجسد ؟! أيعرفني؟! هل رأي صوره لي؟ ام انه لا يعرف ان اباه موجود علي قيد الحياه ؟أيعرف سبب وجوده في هذا المنزل الان؟ ولماذا انا قادم لأصطحابه ؟ هل سيحبني .....هل سيتقبلني؟؟أيقبل ان يذهب معي؟ هل سيدرك هذه المعاني من الاساس ام انه مازل طفلا ؟!! تباً!! انه طفلا بالفعل !! لقد احترق ذهني حقا ...يالله يا ولي الصابرين ثبتني يا رب ...تري هل هو خائف الان؟!! انتابني احساس غريب و موحش حين جال هذا الخاطر بذهني حتي ان عجله القياده اختلت في يدي وكدت ان اخرج عن الطريق!.......يا الهي ..هل من الممكن ان يكون خائف ؟؟ بالتأكيد هو خائف!! بعيدا عن امه ..بين غرباء ..ينتظر غريبا اخر يقال له اباه ليأخذه !.....وكيف يعرف هو انني لست مثل من كان عندهم ؟ أيعرف اصلا ما معني اباه؟؟ قد يكون الان يجلس مضطرباً خائفاً ينظر الي من حوله برهبه وهو ينتظر لا يعلم ماذا سيحدث....قد يكون يجلس في ركن يبكي مناديا علي امه التي يعلم الله وحده اين هي الان ولماذا فعلت ما فعلت ووضعتنا جميعا في هذا الوضع الصعب! هذا الوضع الذي يكاد يمزق قلبي تمزيقا او مزقه بالفعل!! استغفر الله العظيم ارحمني برحمتك يا رب....لقد تخطيت مرحله اني اكاد ان اجن لأن الجنون قد اصابني بالفعل!...حاولت ان اطمئن نفسي واطرد هذه الخواطر الشيطانيه من رأسي واستعذت بالله من الشيطان الرجيم ورميت همومي وحمولي عليه وعزمت وتوكلت وحاولت ان ابحث عن بعض الافكار الايجابيه وسط هذا الكم اللانهائي من الافكار والخواطر في رأسي.... أمن الممكن ان يكون ينتظرني بفرحه ؟ولهفه؟ من ادراني انه لا يعلم بوجودي ؟ربما كان يعلم! ربما اخبرته امه! ربما كان ينتظر هذه اللحظه اكثر مني؟ينتظرني انا!!.....اباه!! ليناديني بابا ...تسللت ابتسامه واسعه الي وجهي واطمئن قلبي لهذه الخواطر ...بالفعل من الممكن ان يكون يعرفني ويحتاج الي الان!! يحتلج الي ان ينهي حرمانه من اباه!! يحتاج قدوه ومثل صالح ...يحتـــــــ......... يحتاج ماذا؟!!! انه طفل ..يبلغ من العمر ثلاث سنوات وسبعه شهور علي الاكثر ...هل سيفهم حرمان وقدوه وما الي ذلك ؟؟! لقد جننت حقا والمشكله اني انسي ذلك!! السؤال اذن اذا كان يبلغ من العمر ما يبلغ فما مستوي ادراكه؟!ما هو المستوي المفترض من الحوار بيننا كي يفهمني ؟ هل يجـــــــ.............. يالله ..ها هو ذا !!لقد مرت الساعات ولم اكد اشعر بها وها انا ذا قد وصلت للعنوان المنشود....ها انا ذا امام المنزل المنتظر .,...هنا امامي ينتظرني ما قد غير حياتي بالفعل من قبل ان اراه!! هنا في هذا المنزل يتنظرني هو !! ادهم ابني!!!
لا ادري حقا كيف صففت السياره وترجلت منها ومشيت الي باب المنزل ..كل ما ادركه الان انني اقف امام الباب منتظرا وانا ارتجف! حقا ارتجف! واثناء رحله يدي الي الجرس الانيق المعلق بجوار المدخل تذكرت مدي صحه الاقاويل والاراء القائله بمدي غرور الانسان وجهله !! فها هو واحد منهم تأتيه بضع كلمات تغير مسار حياته وتجعله يرتجف امام الباب كتلميذ مذنب يقف امام باب ناظر ألمدرسه! صوت الجرس ينطلق ..الباب ينفتح .. نظره ممن في الداخل ..ثم حقيبه في يساري وطفل صغير في يميني ..وينغلق الباب!!!!!!!!!!!!!!!!
هل تخيلت يوما انك واقف في بدايه طريق ما لا تعلم نهايته وخلفك ظلام حالك ؟؟ انا لا احتاج الي مثل هذا التخيل ...فأنا في هذه البدايه الان وفي يدي طفل صغير!! تبدو كلمه ماذا افعل الان مبتذله جدا !! حقا ماذا يُنتظر مني ان افعل الان؟!! بدأت بالبسمله والمعوذتين وسوره الاخلاص ...اخذت نفسا عميقا وقررت ان ابدا اول خطوه واهم خطوه ...ان اراه!! نزلت علي ركبتي لأصبح في مستوي طوله .. ونظرت الي وجه لأول مره ....ياااااااااااااالله!! ..ما هذا الملاك !يا الهي ! هل يمكن ان يكون هذا البدر ابني؟...ابيض البشره هو ، عيناه واسعتين ، لا يخالط سوادهما لون اخر ، انف دقيق وفم صغير باسم ، اذنان يكادا الا يظهرا لولا ان بعض الحمره لونتهما ، شعره ناعم كخيوط الحرير ينسدل علي وجهه بطول جبينه الواسع ليلتقي الاسود بالابيض كما يلتقي الصبح بالليل لحظه الشروق !
يالله ...انه في غايه الجمال ..اجمل من اجمل طفل رأيته او تخيلته ...كأطفال الافلام الامريكيه ...لااااا بل اجمل ...انه كما وصف القرآن سيدنا يوسف...نعم هذا هو !! كنت اظن اني خبير في لغه العيون ولكني اعرف الان اني كنت مخطئا تماماً ، الان اعلن جهلي امام هاتين العينين ، لن اتحدث عن البراءه الساكنه عيناه ..لن اذكر الحيويه الطفوليه التي تجدها في عيون كل الصغار ، لن اصف كل هذا لأني وجدت مصدرهما ونبعهما الصافي اخيرا ! اقل ما توصف بيه هاتين العينين هو الجمال ! لا اعرف كم ظللت انظر فيهما ولهما ، كانتا كالبئر العميق المظلم ، لا تري داخله شيء ولكنه مليء بالغموض الذي يجذبك اليه جذباً كأنك مسحور ، عيناه تشع طمأنينه و سكينه تحيط بالمكان وتحميه من اي شيطان رجيم ، اكاد ان اقسم انهما تطلقان طاقه غير مرئيه تجدد روحي الان وتنقيها وترتقي بها !
اقسم فعلا اني حين نظرت الي هاتين العينين قد ارتقيت الي مكان افضل !! بالطبع هرب الكلام من علي لساني كما يهرب السمان حين يسمع طلقه الصياد ، لم تسعفني القريحه بفعل ما لأقوم به ...فما كان مني الا ان اطلقت تنهيده ظننت انها كافيه لتبقي الصيف فصل دائما علي الارض لقرن علي الاقل ! ونهضت ... يحتضن دميته بيمينه واحمل انا حقيبته بيساري لتتشابك يميني ويسراه لأول مره ، كانت عقده ايدينا علي الرغم من الاختلاف في الحجم والقوه تبدو وكأنها تشكل نسيج حي واحد ، تبدو وكانها وحده واحده وليست اثنتين ، كانت تبدو وكأنها العروه الوثقي التي لا انفصام لها!!صدقوا هذا او لا ولكني شعرت بالأمان والخوف معا حين تشابكت ايدينا ! ظللت حائرا في تناقضي هذا حتي وصلنا الي السياره فأنفصلت ايدينا لأشعر وكان احد قد نزع جزء من احشائي كما فعلت هند بكبد حمزه !! يالله ...لحظه عاديه تحدث في اليوم ملايين المرات حين يترك الاب يد ابنه ، ولكن ها هنا الحاله مختلفه ....خواء موحش وانفباض كئيب اجتاحني حين ترك ادهم يدي ! ورغم كونها بمقايس الزمن لحظات الا انها في حكم الحب والقلوب دهور!! لم ترتد لي روحي واتزاني الا حين جلست في السياره واستقر ادهم الي جواري ....هل من الممكن ان اكون قد احببت هذا الصغير بهذه الدرجه في هذه الحظات الاقصر من ان تكون قصيره؟!! العجيب انه حتي الان لم نتبادل انا وهو كلمه واحده !!ولكم تبدوا هذه المشكله في غايه السهوله في نظر اي انسان ولكنها بالنسبه لي الان اصعب قضايا العمر !! المشكله الحقيقيه هي انني لا اعرف!! لا اعرف ماذا علي ان افعل او اقول او حتي بماذا اشعر !لكم كان التواصل مع الاطفال يبدو سهلا بالنسبه لي ولكني اعلن جهلي وغبائي للمره الثانيه ... ان اي اب فالدنيا يتعلم كبف بتواصل مع ابنه بالفطره فهو يراه وهو يتكون في رحم امه ويراه يولد امام عينيه ويكبر امامه ايضا ..اي اب يمارس ابوته ويستوعبها بالتدريج ..اما انا فلاااا!!!! انا كمن قيل له ان الاخوان رايت قد اخترعا الطائره ثم وضعوني في كابينه قياده (اير باص) طالبين مني ان اقودها !!لقد انتزع مني ثلاث سنوات ونصف كان من المفترض ان تكون سنوات تعليمي وتاهيلي كأب !! وها انا ذا اقف امام اصع امتحان في تاريخي كحفيد لأدم !! الأولويه الان لسؤال مهم جدا ..ما هي قدره عقله علي الاستيعاب وما هم مستوي الحوار والتعامل اللمفترض بيننا؟!
اذا بكي الان فماذا سأفعل ؟ هل ساصرخ في وجه ام سأحتضنه واربت علي ظهره ؟ ماذا ان طلب شيئا ..هل سأهرول كما فعلت هاجر لألبيه ام سأتمهل وافكر في طلبه؟!ماذا اذا اذاه احد؟!! هل سأكتفي فقط بقتله ام ساقوم بالتمثيل بجثته ايضا ؟! كنا نجلس في السياره والصمت يغلفنا وكأننا اثنين بالغين في طريقهم الي اداء واجب العزاء !! حقا كان يبدو كرجل راشد بالع وهو يجلس بجوراي علي الرغم من احتاضنه لدميته ..تنهيده اخري تزيد من عمر الصيف قرن اخر لأعود انظر الي الطريق وانا لا اعرف الي اين اتجه ....تتمحور حياتي كلها الان في كيفيه فتح حوار مع هذا الادهم الذي نشر الفوضي في حياتي كما ينشر اي طفل اوراق عمل ابيه في الشارع متصورا انه يري أمامه سرب من عصافير الجنه!! كان الضيق والعصبيه قد بدئا يتسربا الي من عجزي المؤلم هذا .. كانت العصبية والغيظ والأفكار الشيطانية تتجمع في بؤره تفكيري كم تتجمع الغيوم في السماء في بدايه يوم عاصف مطير ....كنت علي شفا هوه ما انجاني الله منها اذ شعرت بشيئاً يهز ذراعي برفق وصوت جميل دافيء كصوت سيدنا داود يأتيني من جوراي قائلاً :

"بابا .....بعد اذنك عايز اشرب."
لتبتسم الدنيا لي.
تمت

مسابقة القصة القصيرة  

ذات الشريطة

قصة قصيرة
ميسرة الهادي

كان يوماً شاقاً.. أعترف بهذا..

أعتقد أن دشاً دافئاً سيزيل عن عضلاتي المنهكة كل غبار الإرهاق..

أُخرج سلسلة مفاتيحي من جيبي في تعب، وأُقلب فيها قليلاً حتى أجد – أخيراً – مفتاح الشقة، فأضع حقيبة يدي جواري، وأُدخل المفتاح في ثقب الباب، ويصيبني خدرٌ لذيذ حين أسمع صوت تلك (التكة) المميزة لفتح قفل الباب..

إن جسدي يدرك جيداً أن هذه (التكة) هي جرس بداية فترة الراحة والاسترخاء بعد تعب النهار، والأهم من هذا كله أن قلبي – أخيراً – سيخفق من جديد..

أُغلق الباب خلفي محاولاً ألا يصدر عنه أي صوت، ثم أتجه إلى غرفة النوم وأُغير ثيابي في هدوءٍ شديد وقد نسيت أمر ذلك الدش الدافئ تماماً، وفي خفة أتسلل إلى المطبخ حيث تقف زوجتي الحبيبة..

أراها تنظر من نافذة المطبخ الواسعة نحو السماء الزرقاء تتأمل شمس الغروب، ترتدي فستانها الأبيض الذي يزيدها جمالاً ورقة، وحول خصرها تلف شريطة حمراء..

يا الله.. لو رأتها (فينوس) لغارت منها..

الآن يدق قلبي من جديد وقد عادت إليه الحياة، وهاهي الدماء تندفع في جسدي فترويه بعدما جفت أوردته وتشققت شرايينه، وها هما رئتاي تشهقان في عنف وقد استنشقتا الأكسجين أخيراً، ولا أحدثكم عن فمي فقد عرف طريق الابتسام، أما عيناي فها قد رأيا النور من جديد..

بدونها تقف حياتي تماماً، أصبح جسداً بلا روح، لا أستطيع التفكير، لا أجسر على الكلام لأني لو تكلمت لن أنطق إلا اسمها، بالكاد أتنفس.. وأؤمن أني أتنفس فقط لأنهي العمل وأعود إلى البيت مرة أخرى فأسترد حياتي وقوتي برؤياها..

تشعر بي ملاكي فتلتفت إلىَّ وتبتسم ابتسامة زادتها بهاءً ونوراً، واحمَّرت لها وجنتاها في حياء حتى أنني تساءلت في عقلي: أيهما أشدُ حمرةً.. وجنتاها أم شريطتها؟!

أتأملها لحظات وأشعر بقلبي يخفق في حب، وأكاد أقفز نحوها وأحتضنها في شدة، لكني أعدل عن ذلك حين أرى تلك الأطباق المتسخة التي تناولت فيها إفطاري صباحاً ما زالت على منضدة المطبخ..

أرسم على وجهي تعبيراً مخيفاً مضحكاً وأقول مداعباً إياها:

- ممكن أعرف بقى ليه مغسلتيش الأطباق لحد دلوقتي؟!

تتسع ابتسامتها أكثر وتتحرك نحو المنضدة، فأُسرع نحوها وأقول في حنان:

- لا لا لا.. أنا بهزر معاكي بس.. متتعبيش نفسك.. أنا هشيلهم وأغسلهم..

تظل ابتسامتها تحلق فوق شفتيها وأنا أحمل الأطباق وأغسلها في سعادة قبل أن أقول لها:

- عمرك شفتي ملكة تقف تغسل المواعين؟! طبعاً لأ.. يبقى ازاي انتي عايزة تغسليها؟!

تبتسم وتتأملني في حنان فأشعر أن قلبي يخفق في عنف شديد وأكاد أخر ساقطاً فاقداً وعيي من فرط سعادتي، لكني أتماسك وأُنهي غسيل الأطباق، ثم أملأ براد الشاي بالماء وأقول لها مبتسماً:

- إيه رأيك لو تسبقيني على البلكونة وأنا هجيب الشاي وأحصلك؟!

تومئ برأسها في رقة شديدة، وأشم ريحها الطيبة وهى تخرج من المطبخ متجهةً إلى الشرفة..

أقف أمام براد الشاي في صمت، أتأمل في الماء الذي يحتشد مستعداً للقيام بثورةٍ عظيمة ليخرج من البراد، والنيران تحبسه داخله بقوتها وترغمه على البقاء، حتى تمر دقيقة أو أكثر قليلاً فتفشل النيران في هزيمة الماء مرةً أخرى، ويخرج من البراد غاضباً ثائراً فيصل إلى النيران فيطفئها منتقماً مُحدثاً صوتاً خفيفاً كحفيف الأشجار..

أصب الماء في كوبين فيختلط بالسكر وحبيبات الشاي التي تصرخ من شدة سخونته وتحاول الصعود إلى فوهة الكوب كي تنقذ نفسها، لكن تمنعها الملعقة الفضية التي أضعها بالكوب مُقلباً ذلك الخليط، ثم أضع الكوبين فوق (صينية) وأحملها متجهاً نحو الشرفة، ثم أضعها على المنضدة أمام حبيبتي الجالسة تتأمل السماء في شرود..

ولم أشأ أن أزعجها فاتجهت في صمتٍ حذر إلى جهاز التسجيل، ووضعت فيه شريطاً قديماً (لأم كلثوم) تحبه زوجتي، ثم ضغطت على زر التشغيل..

أنظر نحوها فأراها ما زالت شاردة، فأرفع الصوت أكثر وأكثر حتى تنتبه إلىَّ وتلتفت مبتسمة.. فأبتسم لها وأنا أذهب إلى الشرفة وأجلس على الكرسي المجاور لكرسيها وأقول:

- بتحبي انتي الأغنية دي أنا عارف..

تتسع ابتسامتها في صمت، فأتأملها قليلاً، ثم أرفع كوب الشاي – من فوق منضدة الشرفة – إلى شفتيَّ لأرشف منه رشفة بطيئة تتناسب مع صوت (أم كلثوم) الهادئ المريح..

وتحين مني التفاتة إلى صورة زوجتي المعلقة على الحائط خلفي، ودون إرادة مني تروح عيني نحو تلك الشريطة السوداء المثبتة على الجانب الأيمن العلوي للصورة..

ثم أعود ببصري نحو الكرسي الفارغ جواري، وكوب الشاي الممتلئ المستقر في الصينية جوار كوبي ولم تطله يد والدخان يتصاعد منه وقد طفق يبرد....

تمت

مسابقة القصة القصيرة  

هكذا عشقتها

قصة قصيرة
عبد الله العباسي

تعودت أن اسمعها .. ألحنها .. أؤلفها .. اعزفها.. وحتى أن أتغنى بها .. لقد تعودت أن أعيش فيها.. معها.. منها.. لدرجة انه صار يخيل لي أني لا أستطيع أن أحيا من دونها ..

معزوفة لا طالما سمعتها وتعودت عليها وصارت جزءا لا يتجزأ مني .. انسجم معها أحيانا فأحس بحالة توحد معها تبعدني عن مؤثرات الحياة الخارجية .. أحس أني في شرنقتي الخاصة .. في عالمي الخاص .. مملكتي المهجورة .. التي لا يستطيع أحدا الوصل لها غيري .. أصبح في حالة توحد تفصلني عن كل ما يحيط بي ..

ترنيمة لا طالما ما عشت فيها وأحسستها حتى أدمنتها .. أصبحت الآن لا أستطيع العيش من غيرها .. ولا أستطيع أن أحاول أن أتعايش مع غيرها .. إنها أنا وأنا هي !!

كانت هذه حالتي حتى التقيتها .. فأخرجتني من مملكتي .. ودعتني إلى مملكتها .. لكي أصبح ملكها .. وتصبح هي ملكتي .. غزتني وغزت مملكتي بعنفوانها وثقتها .. ولم استطع أن أقاوم براءتها ورقتها .. بل أنني ساعدتها .. تركتها ولم امنعها .. لعلها تنسيني هذه المعزوفة .. لعلها تخلصني من إدماني .. لعلها تخرجني للأبد من توحدي .. تمنيت أن أغير ولو نوتة واحده من هذه المعزوفة لتصبح مليئة بالسعادة ..مفعمة بالحياة

ولكن .. هيهات هيهات .. نسيت أني أعيش في دنيا لا يستطيع فيها المرء أن يحصل على كل ما يشتهي ولا أن يصل لمبتغاه بكل سهوله كما تصورتها .. وليست كما تخيلتها

ولكن .. في وجودها معي .. أجد الدنيا في ابسط صورها وفي أسهل سبلها وفي أجمل حليها .. هكذا عشقتها !!

تركتها لتصبح قائدة الاوركسترا الخاصة بي .. والتي لم يسمع عزفها غيرها .. لعلها تصلح أخطائها .. وتلملم ما تبعثر من معزوفاتها .. لتعلنها في معزوفة واحده !!

سمحت لها أن تجتاحني .. لتصبح أغلى وأنفس ما يخصني .. ولتصبح اثمن لي من دمي .. ولا اريد من غيرها ان يحبني !!

ولكني ..!!

استيقظت من أحلامي الوردية .. على أقسى هديه .. وجدتها قد أضافت إليها بعضا من معزوفاتها وأعادت نثرها .. لتعلنها ترنيمة جديدة .. من ترانيمي الخاصة ..

عدت لعزفها مجددا .. لأجد نفسي قد أتقنت عزفها عن ذي قبل وزاد عشقي لها .. حتى صرت أصبح وأمسي أتغنى بها .. وأيقنت أني لن أستطيع العيش من غيرها ..

أستطيع أن أحسها .. ولكنني لا أستطيع أن أصفها .. وربما لا أريد أن أجيد في عزفها .. لكي لا يستطيع أحدا فهمها .. وأكاد أن اجزم أن لا أحدا غيرها .. سيجيد فهم شفراتها .. وفك أغمض طلاسمها !!

والآن يمكنني أن أعلن عن وجودها .. وأعلن عن اعتزازي وفخري بها .. أعلنها بأصعب صورها .. وأقسى أحاسيسها .. وأدق تفاصيلها .. لتنفرد في وجودها .. ولتكون أكبر أخواتها وأحكم صديقاتها !!

- هكذا عشقتها-

>>> ترانيم الوحدة <<<

تمت